محمد أحمد خلف الله
103
الفن القصصي في القرآن الكريم
ابنه بقلب مفطور وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ * قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ « 1 » . وحين نرى إبراهيم عليه السلام يحاول أن يهدي أباه فيعجز ويعتزله وقومه وما يدعون من دون اللّه يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا * يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا * قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا « 2 » . بل قد لا نعجب إذا لمسنا أثر ذلك الناموس في ذلك الموقف الفرد الذي يقف فيه ولد من والديه موقف الخصومة يدعوانه فلا يستجيب ويصم أذنيه عن الدعاء : ذلك الموقف الذي يقطر فيه البر والحنان من جانب والقسوة والعنف من آخر والذي يصوّره القرآن أبلغ تصوير فيملأه بالحركة والقوة والعواطف الهائجة والانفعالات الثائرة ويعبّر عنه بصيغ لم تخلق إلا لهذا الموقف وأمثاله وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 3 » . وهكذا يسجل القرآن صور هذا الناموس ويتعقّبها لا في حياة الجماعة فحسب بل في حياة الأسرة الواحدة وفي المنزل الواحد بل قد يجاوز كل هذا إلى أثر ذلك الناموس في الحياة الفكرية للفرد حين تتنازعه العوامل بين قديمه والجديد وحين تتسلّط عليه الخواطر فيصيبه القلق وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ . . . « 4 » .
--> ( 1 ) سورة هود ، الآيتان 42 - 43 . ( 2 ) سورة مريم ، الآيات 42 - 48 . ( 3 ) سورة الأحقاف ، الآية 17 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية 260 .